g كواليس بريس | التعليم عن بعد: جدلية المقصد والمآل
da
عاجل

صوت وصورة

التعليم عن بعد: جدلية المقصد والمآل

المصدر: كواليس بريس

أما قبل جائحة كورونا،

فإن ما بعدها سيكون حتما مخالفا، هذا ما يستنتجه العديد من الباحثين: سياسيين واقتصاديين وخبراء ميدانيين.. وتنطلق رؤيتهم مما يطرأ على الساحة الدولية من متغيرات على مستويات متعددة تتجاوز الجائحة باعتبارها مرضا "عابرا"، إلى جائحة سياسية واقتصادية أصابت العالم برمته بشلل نصفي، الأمر الذي يتطلب علاجا سريريا لأمد قد يطول. من هنا أصبحت المختبرات والمراكز الطبية تتسابق إلى اكتشاف تلقيح "منتظر" لحيازة قصب السبق وما يترتب على ذلك من عائدات مالية سخية..

التساؤل الذي يراودني – ولعله يراود العديد من المهتمين في المجال التربوي- هو التأثيرات التي خلفتها جائحة كورونا على المنظومة التعليمية في سياق أجرأة خطة التعليم عن بعد، ومدى مقصدية تدبير الخطة ومآلاتها؟

في حوار قصير أجراه فاليري مازيرول (Valérie Mazerolle) مع فيليب ميريو (Philippe Meirieu) يوم 12/4/2020 وهو أشهر البيداغوجيين الفرنسيين وأكثرهم تأثيرا في المنظومة التعليمية بفرنسا.. أبدى تخوفا كبيرا في أن يفجر الحجر الصحي التفاوت واللامساواة في التعلم عن بعد. يحدث هذا في فرنسا التي تحظى بمنظومة تعليمية أحسن حالا على العموم.

من المؤكد أن القرار الذي اتخذته الحكومة المغربية كان قرارا اضطراريا "صائبا وسليما"، ينسجم مع المَثَل الذي أورده الميداني في مجمع الأمثال: "مكره أخوك لا بطل"، وهو القرار الذي اتخذته معظم دول العالم.

في الدعامة العاشرة من الميثاق الوطني للتربية والتكوين تحت عنوان: استعمال التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل، تنص الدعامة على الاستعانة بالتعليم عن بعد في المستويين: الإعدادي والثانوي في المناطق المعزولة، كما تسعى هذه الدعامة إلى تحقيق تكافؤ الفرص.. وهو الأمر الذي سيقلص حتما من الوقوع في اللامساواة التي تخوف منها ميريو Meirieu في المنظومة التعليمية الفرنسية. لا أحد يماري في أن التعليم عن بعد لا يمكن بحال من الأحوال أن يعوض المدرس، خاصة حينما يتعلق الأمر بمستويات الابتدائي والإعدادي، وبدرجة أقل المستوى الثانوي، وحصرا مع بعض المواد حسب التخصصات. أما التعليم العالي فيبدو أن التجربة أسفرت عن إقبال محمود يمكن استثماره فيما بعد كورونا.

لقد تأثر التعليم تأثرا بليغا بمفاجأة جائحة كورونا للعالم، في الوقت الذي لم يكن يفكر فيه الكبار إلا في مزيد من العقوبات على الدول "الناشزة"، أو الحماية من خطر "الإرهاب" بالمقابل، أو إيجاد حلول لبعض الملفات الساخنة إقليميا على أساس مبدأ هيمنة النفوذ..

أما الدول التي قطعت أشواطا في العمل على استثمار التعليم واعتباره دعامة أساسية لكل تنمية بشرية، بتوظيف كل الإمكانات التكنولوجية والمعلوماتية، فإن تجربة الحجر الصحي وكيفية التعامل مع طرق التدريس واكتساب مهارات التعليم عن بعد.. سوف تسفر حتما على مستويات مهمة في الرفع من جودة أنواع التعليم تبسيطا ومرونة وتكيفا..

إن مقصدية التعليم عن بعد لا ترقى إلى المآلات المرتقبة؛ بل ستفاقم في تصوري نسبة التفاوت بين التلاميذ خاصة في المستويين الابتدائي والإعدادي اللذين يحتاجان إلى تعلم جماعي من جهة، واستحالة تعويض المدرس بالوالدين، ناهيك عن التفاوت الاجتماعي وصعوبة الوصول إلى الإنترنت.. مما يعمق الهوة بين التلاميذ، ويكرس صعوبة الوصول إلى المعلومة بإحداث خلل في مبدأ تحقيق تكافؤ الفرص.

إن خطة التعليم عن بعد ستوفر للدولة –لا محالة- مكاسب ثمينة على مستوى الموارد البشرية والمالية، لطالما احتدم الصراع حولهما بين النقابات والحكومات المتعاقبة.. لكن في نهاية المطاف سوف يتحمل المدرس والتلميذ تبعات أجرأة التعليم عن بعد في غياب بنيته التحتية الحاضنة له، والضامنة لدوام الاستمرارية؛ أما الحديث عن معايير الجودة فمآلاته في حسن تدبير المقصد.

 

يحيى صالحي

كلمات دالّة

#,

أضف تعليقاً

الاسم:
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق:
التعليق :

إعلانات