g كواليس بريس | مستقبل الوطنية والإصلاح والهوية اللغوية؟
da
عاجل

صوت وصورة

مستقبل الوطنية والإصلاح والهوية اللغوية؟

المصدر: كواليس بريس

كما وعدت القارئ، أعود مجددا إلى النقاش القوي الذي أحدثه السيد عبد الإله بن كيران بالمغرب حول القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي (رقم 17-51). لقد تميز هذا النقاش بتدخل رئيس الحكومة السابق لخمس مرات متتالية وفي توقيت مضبوط، موجها خطابه إلى العموم بصفة عامة، وإلى أعضاء حزبه على الخصوص. المداخلة الأولى ارتبطت بمرور القانون الإطار للمؤسسة البرلمانية، وبداية نقاشه داخل اللجنة البرلمانية المختصة، والثانية تزامنت مع مرحلة ما قبل تصويت اللجنة على هذا القانون بعدما وصل إلى علمه الوصول إلى نوع من التوافق الأغلبي على صيغة تقرر بها ما سماه بفرنسة التعليم، والثالثة اختار لها منبر المؤتمر الوطني السادس للغة العربية، والرابعة كانت تعبيرا عن حسرته الشديدة بعد قرار الأمانة العامة بالتصويت على الموافقة على هذا المشروع مع التحفظ (وليس الرفض) على المادتين 2 و 31 منه، والخامسة ألقاها من خلال المنبر التنظيمي لشبيبة حزبه بعدما تم تحويل هذا المشروع إلى قانون بجلسة عامة برلمانية.

اعتبار لما سبق، وقبل الدخول في مناقشة الحجج التي استند عليها بن كيران في تدخلاته، تبين بالملموس، بالرغم من اختيار توقيت ومنابر التدخلات، أن تأثيرها كان منعدما في مصادر القرار داخل البيجيدي، المصادر التي سايرت تدخلاته بنوع من الهدوء إلى أن تم اعتماده بصيغته النهائية المعروفة. إنه مسار القضية، التي اعتبرها بن كيران من الأركان التأسيسية القوية لحزبه والضامنة لاستمراره، والتي جعلته يتوجه إلى أغلب نخب حزبه الفاعلة بخرجة إعلامية هجومية "صاروخية" في لحظة خلافية غير مسبوقة. الملاحظة الثانية تتعلق بقسم بن كيران بالله عز وجل جازما عدم مرور هذا القانون بالصيغة المعتمدة لو استمر في رئاسة الحكومة الثانية، بدون أن يبين كيف سيتمكن، في حالة قبوله الاضطراري لتشكيلة الحكومة الحالية بالأحزاب المشاركة فيها، من الضغط على وزراء وبرلمانيي حزبه واتخاذ قرار مضاد؟ هل قسمه يقر بفعالية لغة المصالح الحزبية المرتبطة بسلطة رئاسة الحكومة كآلية قوية للضغط أم أن هناك سر سحري لا نعرفه؟

لمناقشة هذه القضية بكل موضوعية، والتي سأربطها في هذا المقال بمفهوم الوطنية وتطوره ببلادنا وبإرادة الإصلاح عامة وإصلاح التعليم خاصة، سأخصص الجزء الأول منه إلى إبداء بعض الملاحظات في شأن الحجج الخمس التي شملتها مداخلاته السالفة الذكر، على أن أقدم في الجزء الأخير بعض عناصر الإجابة عن سؤال ارتباط عوائق التعليم والتربية باللغة أم بالإيديولوجية السائدة (الغالبة) أم بنزاع المصالح الفئوية. بالنسبة للجزء الأخير، إضافة إلى إحالة القارئ على مقالات سبق لي أن نشترها كقراءة لكتاب المرحوم محمد عابد الجابري تحت عنوان "من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية (الصادر سنة 1977)، سأتطرق لعدد من الأفكار الهامة المرتبطة بقضية التنشئة والتعليم تناولها المفكر عبد الله العروي كمؤرخ في كتابه "استبانة".

إن قراءتي المتأنية لكتيب الأستاذ بلال التليدي تحت عنوان "موقف بن كيران من فرنسة التعليم" (طبعة 2019) جعلني أستخلص سبع ملاحظات أطرحها للنقاش كالتالي:

الملاحظة الأولى: تتعلق باتهام ابن كيران للبعض كونهم يعتبرون ما يدافع عنه، لوحده في نهاية المطاف بدون حزبيه، مجرد لعبة خلط وتغليط ضد الانفتاح والانخراط في مجتمع المعرفة. لقد أثار هذا الدافع كحجة للتعبير المضمر لتبعية المغرب لفرنسا، لكنه تحاشى التمييز بين لغة العلوم الصرفة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الطبيعة والأرض والفضاء التي تتطلب، من أجل تمكين تلامذتنا وطلبتنا عبر البحث الورقي (الكتب) والإلكتروني (المواقع) من التمكن من مناهج ومقررات دول الغرب ذات العلاقات الاقتصادية القوية مع المغرب، الإلمام الدقيق بقاموس المصطلحات الخاصة بها، الذي يختلف في حجمه ومضمونه عن القاموس اللغوي. أما مسألة الفهم والدراية لمختلف مستجداتها وتطوراتها ودروسها وتمارينها وامتحاناتها المعتمدة تعليميا، فترتبط أكثر بالذكاء والمنطق العقلي لدى التلميذ. وهنا لا بد من الإشارة أن المسارات الدراسية لأجيال الخمسينات والستينات قد حسمت في طبيعة العلاقة ما بين التموقع الطبقي والإلمام باللغات الأجنبية والتفوق في المواد الدراسية العلمية. لقد كانت لنا صداقات مع تلاميذ بذلوا جهدا كبيرا لحفظ قسط كبير من قاموسي اللغتين الفرنسية والإنجليزية (القاموس الأدبي)، ونجحوا في التفوق في التعبير باللغتين وأبدعوا في كتابة المواضيع والقصص، وحصلوا على نقط عالية في مادتي الفرنسية والإنجليزية، لكنهم كانوا متوسطين أو أقل من متوسطين في المواد العلمية السالفة الذكر. مقابل ذلك، كان هناك تلاميذ آخرون متفوقين في المواد العلمية بدون أن يكونوا متفوقين في نفس الوقت في المواد الأدبية.

ودعما لملاحظاتي في هذه النقطة، لا يمكن أن لا أستحضر كلام عبد الله العروي في شأن الأهمية التي أولاها لإتقان اللغات ودورها في التعاطي مع ترجمة وتأويل مختلف العلوم والآداب العصرية تأويلا صحيحا وبناء، أهمية جعلته يدعوا إلى تسمية الكرسي الذي تم خلقه باسمه بجامعة محمد الخامس للآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ب "كرسي عبد الله العروي للترجمة والتأويل". إن الترجمة بالنسبة له تأويل، وعدم التمكن اللغوي عند ممارسها أو المختص فيها لا يمكن أن ينتج عنه إلا الويلات وسوء الفهم، ويلات كانت مصدر حدوث انزلاقات فكرية خطيرة في الحضارة العربية بشكل عام والمغربية بشكل خاص. إنها الانزلاقات التي ارتقت حدتها إلى درجة إحداث انحراف وزيغ وتغليط ثقافي ترتب عنه ترسيخ زلات ضارة بمستقبل الحضارة المترجمة (بكسر الجيم). فتأييدا لكلامه في نفس الاتجاه، جاء في كتابه "استبانة" مقطع بالغ الأهمية أبرز الأهمية القصوى للإلمام باللغة الفرنسية بالنسبة للتلميذ ومساره التعليمي والمهني زمن الحماية، حيث قال متذكرا زملائه في الدراسة : " من تلامذة ثانوية مراكش أتذكر بالأخص زغلول مرسي، كان أبوه مصري الجنسية، استقدمه الباشا التهامي الكلاوي ليقود جوقه الخاص. كان زغلول يكتب الشعر بالفرنسية. نبغ فيه ثم التحق مبكرا بإدارة اليونيسكو...". كما أن التجرؤ غير الموفق لأحد الكتاب على ترجمة كتابه "الإيديولوجية العربية المعاصرة" جعل العروي يستشيظ غضبا، واعتبر هذا الإقدام غير مسؤول وجريمة في حق مضمون الكتاب (من أهم كتبه)، الشيء الذي دفعه إلى إصدار النسخة العربية بنفسه لتعميم الفائدة الصحيحة على قرائه.

الملاحظة الثانية: أما مسألة ضعف نسبة النجاح في النظام التعليمي السابق في الشهادة الابتدائية والثانوية (الباكالوريا) في الشعب العلمية، فكان سببه ليس مرتبطا باللغة بل بسبب اعتماد قاعدة "الامتحان الأخير"، الذي كان يتطلب الإلمام بكل دروس المواد الملقنة من بداية السنة إلى آخرها، وكان هذا الامتحان المحدد الوحيد والواحد في النجاح والرسوب. فقد كان هناك تلاميذ كثر يحصلون على المراتب الأولى في الدورات على أساس نقط المراقبة المستمرة، لكنهم يتعثرون في الامتحان النهائي بسبب خطأ أو ضياع الوقت في سؤال معقد ... بالمقابل، ارتفاع نسبة النجاح في النظام التعليمي الجديد ليست مرتبطة بلغة تدريس المواد العلمية المعتمدة بقدر ما ترتبط بالطريقة الجديدة لتقييم عمل التلاميذ وانتقالهم من مستوى إلى آخر، وكذا بمساهمة القطاع الخاص الذي أصبح يمثل عدد تلامذته 20 بالمائة وطنيا.

الملاحظة الثالثة: بخصوص إضرابات السبعينات، فكانت دوافعها مرتبطة بالظرفية السياسية الوطنية والجهوية والدولية وبفشل السياسات العمومية وعلى رأسها التعليم بصفة عامة وليس باللغة. لقد قدم ابن كيران نفسه نموذجا كخريج شعبة الفيزياء مقرا في دفوعاته أن هناك مصطلحات لم يتمكن من فهمها إلى الآن. لقد اتخذ رئيس الحكومة السابق من نفسه مقياسا ومعيارا للتقييم متجاهلا العدد الضخم من الخبراء والأساتذة الجامعيين والمتفوقين في مختلف المواد العلمية وفي شعبة تخصصه (الفيزياء) بداخل المملكة وخارجها. إن مشكل عدم التمكن من القاموس اللغوي لكل لغة حية مرتبط أكثر بحرص المعلم والأستاذ والتلميذ وأوليائه على تحقيق التراكم اليومي للمصطلحات في أذهان المتعلمين وتدريبهم على تدبير وقتهم بإتقان وتوزيعه بعناية ما بين الكدح الدراسي والترفيه عن النفس. فلو استوعب كل تلميذ بالوعي المطلوب ورسخ يوميا جملة من عشر كلمات جديدة في كل لغة، سيصبح رصيده اللغوي منها 3650 كلمة سنويا. إذا أضفنا إلى ذلك جهودا يومية لسبر أغوار قواعد اللغة من نحو وإملاء وتحويل ودرابة على استعمال المحور الزمني لصرف الأفعال، فإن التلميذ سيضمن بقوة الممارسة والاطلاع تحقيق تراكم المقومات التي تؤهله ليتحول إلى كاتب في سن مبكرة. في نفس الوقت، ليس مطلوبا أن يكون الكاتب والروائي والفيلسوف والمفكر خبيرا في المواد العلمية والتكنولوجية السالفة الذكر. وتزكية لهذه الملاحظة، التي أضيف لها ما عرفه نظامنا التعليمي والتربوي من تراجع مقارنة مع الماضي، لن أجد أحسن من جواب العروي في نفس الكتاب (استبانة) على سؤال: "ما مستوى وعي الشباب المغربي اليوم؟"، ليرد : "عال من الوجهة التقنية، واطئ من الوجهة التاريخية والسياسية". في نفس السياق، بعدما اعتبر ابن كيران اللغة الفرنسية عائقا بالنسبة له في مجال فهمه بعض المصطلحات في دروس الفيزياء التي تخصص فيها بالجامعة، يقوم في الصفحة 21 من الكتيب، الجامع لتدخلاته التنديدية، بالافتخار بسرعة تأقلم المغاربة وإقرار تفوقهم في تخصصاتهم في جامعات الدول ذات اللغات الأجنبية كالروسية والألمانية والصينية (استثنى ابن كيران الفرنسية بالرغم من النسبة العالية للطلبة الذين يكملون دراساتهم العليا بفرنسا) بالرغم من كون مدة تأهيلهم اللغوي لا تتعدى السنة في بلد الإقامة المستضيفة.

الملاحظة الرابعة: التجربة أبانت أن في النظام السابق، الذي اعتمد تلقين المواد العلمية باللغة الفرنسية، لم يترتب عنه نموذجا تعليميا تمييزيا. فخريجي المعاهد الهندسية والتقنية العليا كانوا في أغلبيتهم، لكي لا أقول كلهم (مع الاستثناء النسبي لمدرسة المهندسين المعماريين التي كانت تعرف مزيجا من الطلبة من طبقات اجتماعية مختلفة)، من أبناء الطبقة الشعبية الفقيرة ومن مختلف جهات المملكة. وكان رائجا في صفوف الطلبة ربط تفوق أبناء المناطق الجنوبية بتوفرهم وتناولهم بكثرة فاكهة التمر (التمر ينمي الذكاء). أما عدد أبناء الأغنياء في مختلف الدفوعات التي تزامنت مع تكويننا الهندسي والجامعي، فيكاد يلازم الصفر، وكان طبق البيض والطماطم بالنسبة للطلبة من الوجبات الأكثر انتشارا إلى درجة تحول إلى سؤال "هل تعرف معنى BM؟" (أي البيض ومطيشة) في مرحلة استقبال الطلبة الجدد (البيزوطاج Bizutage) إلى تعبير عن فقر الطلبة ومعاناتهم خلال سنوات تكوينهم. وعليه، لا أتفق مع رئيس الحكومة السابق في كون فرنسة التعليم سترفع الحرج عن الأسر الميسورة وسييسر ذلك على أبنائهم تجاوز الباكالوريا بسهولة لكونهم مستأنسين باللغة الفرنسية بسبب تداولها اليومي لها، وأيضا بسبب توفر الإمكانيات (الفقرة الثانية من الصفحة 25 من نفس الكتيب).

الملاحظة الخامسة: هناك ارتباط وثيق بين قوة الاقتصاد وقوة العملة النقدية واللغات الوطنية. فالصين، مثلا، بفعل قوة اقتصادها ووثيرة تطوره اهتمت بكل لغات الكون تقريبا وكرست ذلك في إعلامها وسياساتها التنموية. لقد تخرج من مؤسساتها التعليمية أفواجا كثيرة بتخصصات متنوعة وبلغات مختلفة. إنها البلد الوحيد المتمكن من وفرة وقدرة موارده البشرية الاقتصادية على التواصل الناجع والنافع وعلى التنقل والحركية عبر مختلف دول العالم بدون الحاجة إلى مترجمين. فدفوعات عبد الله العروي لإقناع المناضلين علال الفاسي وعبد الله كنون بعدم التخوف من اللاعودة بعد قراره الالتحاق بجامعة السوربون الفرنسية تعد اليوم دليلا أن الاستثمار في اللغات الأجنبية هو ضرورة حتمية ورأسمالا ثمينا ومقوما وطنيا بالنسبة لبلادنا. لقد تحول هذا الرجل بفضل قراراته الصائبة إلى مفكر هرم على المستويات الوطنية والجهوية والدولية، وصاحب مشروع مجتمعي قوي في مدلوله وأبعاده. فما قاله العروي في شأن القطيعة المنهجية مع التراث يمكن أن تشمل حتى اللغات واللهجات. فالغوص العميق في تضاريس اللغات الأجنبية المرتبطة بالتطور العلمي كونيا لمدة زمنية معينة واستثماره في الكشوفات العلمية الأجنبية، سيكون بدون شك مقوما قويا للعودة إلى التراث بمنظور ومنطق جديدين ومتجددين.

الملاحظة السادسة: لا أعتقد أن ادعاء كون فرنسة التعليم تتطلب إمكانيات ضخمة غير متوفرة ادعاء صحيحا. فطلبتنا الذين يختارون متابعة تعليمهم العالي في الدول الأجنبية، حتى الشرقية منها، يتفوقون في مدة قصيرة في كسب لغة التدريس الأجنبية في مجال العلوم.

الملاحظة السابعة: القطيعة المنهجية التي تحدث عنها العروي، متيقنا عبر التجرية من نجاحها، هي مشروع طموح سيمكن المغرب من الغوص العميق وبحكمة في أغوار اللغات الأجنبية والرفع من معارف موارده البشرية بالتراكمات التاريخية الفكرية والعلمية لمختلف الحضارات. إن طبيعة هذا المشروع، الصاقل بطبيعته للذكاء المعرفي والثقافي، سيمكن المغاربة من العودة إلى تراثهم بمنظور جديد ومتجدد، وبمردودية عالية. وبذلك تكون محاولات ربط تلقين دروس المواد العلمية بلغة أجنبية انسلاخا وقطيعة مع الهوية مجانبا للصواب. المطلوب اليوم هو التفكير في آليات تعميق التأمل المنهجي في التعاطي مع التراث في شموليته لتجاوز محنة الطموحات المتغنى بها والمطالبة بكل شيء على هامش الحداثة بعمقها الغائب. لقد كان العرب سباقين في إعطاء الانطلاقة في الكثير من الأمور قبل الشعوب الأخرى (النهضة، التجديد،...)، لكن كل المحاولات لم تأت أكلها لضعف الإجماع حولها. على عكس واقعنا، اليابان ونماذج أخرى ديمقراطية مختلقة عن الغرب، تمكنت من تحقيق الإجماع الوطني الذي مكنها من تخطي المعيقات في مسار مشاريعها التحديثية، والوصول إلى مراتب هامة في سلم القوة الاقتصادية عالميا.

ومن أجل فتح النقاش في كون عوائق التعليم ليست مرتبطة باللغة، بل لها ارتباطات بأمور أخرى، تجنب السيد بن كيران الحديث عنها، أمور قد تكون ذات طبيعة إيديولوجية أو مرتبطة بتفشي النزاعات المصلحية الفئوية التي أثبتت التجربة المغربية أنها شكلت دائما عائقا لكل المبادرات الإصلاحية. وهنا سأعود لكتاب عبد الله العروي "استبانة" من أجل الوقوف أسفله على بعض النقط التي أثارها في شأن التنشئة والتعليم ببلادنا :

إبرازا لدور الأسرة في تعليم أبنائها، أكد العروي أن ما وصل إليه ما كان ليتحقق لولا مواظبة أخيه في مساعدته، الذي مكنه أبوه من نجاح باهر أصبح من خلاله داعية إلى نشر التعليم. هذا الأخ، عندما تزوج وأنجب فعل مع أبنائه وبناته ما فعل مع رائد التاريخانية عربيا وكونيا (أخيه الصغير)، فكان التفوق وأحيانا النبوغ حليف الجميع.

للوقوف على بعض مميزات نوايا السلطتين الفرنسية والإنجليزية في التعليم ما قبل وخلال الحماية، أثار العروي أن عدم توفر البلاد في عهده على مدارس للبنات، سجل أباه أخته الكبرى في بعثة إنجليزية لتتدرب على الطرز، وأخته الصغيرة لتتعلم القراءة والكتابة، لكن هذه انقطعت بعد أسابيع قليلة بدعوى أن الراهبة الإنجليزية كانت ترغم التلميذات على تقبيل يدها عند مغادرة المدرسة. وأضاف، أن مرافقته لأخته عند الراهبات الإنجليزيات مكنته من سماع المعلمة تروي عن قصة يوسف وفرعون. أما المعلمون الفرنسيون فكان مستواهم عاليا جدا. كانوا يشتغلون في المغرب، كما لو كانوا يسكنون مناطق نائية من التراب الفرنسي، يعملون بنفس الحزم وبنفس الإخلاص. هذا ما تدربوا عليه في معاهدهم التكوينية. يعطون لكلمة تعليم معناها الحقيقي، معنى التنشئة والتثقيف. لما التحق العروي بثانوية الرباط درس الآداب الفرنسية على يد فرانسوا غوتلان، الذي كان معلما في المستوى الابتدائي بالرغم من المنصب السامي الذي كان يشغله أباه كمدير للتعليم العمومي في إدارة الحماية... كما درس الجغرافيا في ثانوية ليوطي على يد جان لوي مييج صاحب كتاب المغرب وأوروبا من 1830 إلى 1894، والذي يعتبر المرجع الأساس لكل الباحثين في تاريخ مغرب القرن التاسع عشر. فإضافة إلى كفاءة المعلمين والأساتذة في المستويين الابتدائي والثانوي وغنى فكرهم، عبروا في أغلبيتهم عن المسؤولية في التنشئة، بحيث لا أحد منهم سمح لنفسه بالحديث عن الوضع السياسي (استغلال مهنته وتحويلها إلى منبر للدفاع على المصالح الفرنسية) بالرغم من توتر العلاقات الفرنسية المغربية من فترة لأخرى. أكثر من ذلك لقد تتلمذ كاتب "استبانة" في اللغة العربية على يد الفرنسي أدولف فور الذي حقق وترجم كتاب "التشوف" للتادلي.

جودة التعليم جعلت من أخيه (الذي سهر على تربيته)، وهو لم يتجاوز الشهادة الابتدائية، إطارا يكتب بخط واضح وبدون أدنى خطأ. فعكس ما نعيشه اليوم في منظومتنا التعليمية من تأثير لمستوى الثقافة العامة على التعليم عامة والمدرس خاصة، لم يكن الأمر كذلك في عهد العروي. لقد كانت الأمية متفشية وثقافة الأفراد هزيلة ومع ذلك لا يؤثر هذا في المدرسة كما لو كانت واحة مفصولة عن محيطها البئيس.

عندما قررت سلطة الحماية خلق مدارس خاصة لأبناء الأعيان تعرف بالمدارس الفرنسية الإسلامية، وحرصت على أن لا تتعارض مقرراتها مع المعتقدات الدينية والتقاليد المحلية، ترتب عن ذلك تصنيف جعلها دون مستوى الباكالوريا الفرنسية. ومعروف، يقول العروي، أن التلاميذ المغاربة رفضوا هذا التمييز وأصروا على المطالبة بوحدة البرامج، وتجسد ذلك بوضوح في دفتر المطالب المغربية المقدم سنة 1936 لإدارة الحماية، ليؤكد في عهده أنه لم يبق أي فرق في البرامج بين المقررين سوى ما يخص تدريس اللغة العربية.

إن المسار التعليمي لعبد الله العروي في تلك الفترات التاريخية جعله يهتم بالأدب الوجودي، عثيان سارتر وانفصام كامو ... وتحول بعد عقود من التنقيب والبحث وتحقيق الشواهد التعليمية العالية إلى منظر لمشروع نهضوي يمكن أن يكون المغرب منطلقه إذا تم الحسم في قرار تنفيذه. فالسياسة، التي يطغى عليها الطابع الإيديولوجي، يمكن أن تلعب أدوارا إيجابية أو تخريبية. فالإيديولوجية، كقوة سياسية دافعة، يجب أن تعترف بالواقع وتؤثر فيه إيجابيا، فتوجهه إلى التغيير التحديثي، وأن تقوي الترابط بين شرعية الدولة ومصلحة الواقع (مصلحة المحكومين المادية كتجانس التكوينات ومتطلبات سوق الشغل).

لقد أقر العروي أن معيقات الإصلاح، إصلاح التعليم؟ المجتمع؟ الدولة؟ مرتبطة أكثر بصراع المصالح الفئوية (جيوب المقامة في قاموس المقاوم عبد الرحمان اليوسفي). وفي هذا الشأن يقول : "نعلم اليوم، بعد التجارب المحبطة التي مررنا منها، أن الجميع يريد الإصلاح، أو على الأقل يدعي ذلك، لكن كل فريق يريده موافقا لمصالحه، فيرفض كل مشروع إصلاحي لا يساير تلك المصالح، وفي النهاية لا يتحقق أي شيء. لم يكن الوضع مختلفا في الماضي... كان الجميع ينادي بالإصلاح، المغاربة والفرنسيون. لكن من هم المغاربة ومن هم الفرنسيون؟ المغاربة كانوا طوائف وشيعا: أعضاء المخزن، العلماء، أتباع الزوايا، التجار، الصناع، ... والفرنسيون كذلك كانوا أحزابا وجماعات ضغط ... كل فئة، من هؤلاء وأولئك، تريد تعليما خاصا بها، يخدم مصالحها ولا يمثل خطرا على مستقبلها. فترتاب من كل إصلاح يهم الغير إذا رأته يزرع بذور العداء تجاهها ... هؤلاء كانوا يفضلون تعليما خاصا بالمغاربة، يلقن باللهجات المحلية ولا يؤهل الشبان المغاربة للدراسات العليا، وكان يوافقهم في هذا الرأي من المغاربة العلماء وأعضاء المخزن". وأضاف العروي أن الإرادة السياسية لا تكفي، لا بد من قناعة بنجاعة الإصلاح وضعف المعارضة الداخلية (تعليم للوطن وليس خدمة المصالح الفئوية).

لقد اعتبر العروي التعليم أم مشكلات المغرب، وأن الحلول الجزئية الترقيعية ستتوالى بعضها يصيب الهدف بسبب حيوية المجتمع ومواكبة نمو الاقتصاد. فيكون رفع مستوى التعليم نتيجة لا سبب التطور، إلى أن تتوافر الظروف المذكورة أعلاه، في إطار المغرب بالتحديد.

أكتفي بهذا القدر لأطرح حاجة المغرب إلى إجماع في قضية الإصلاح خاصة على مستوى نجاعة البلورة والتفعيل. المخزن الذي تحدث عنه العروي في نظري يتوسع كل يوم ليشمل كل من يحرص على الحفاظ على استقرار البلاد وأصحاب المصالح. المجتمع المغربي لم يعد فاقدا للتمييز وغير قادر على تحمل المسؤولية، فيظل في حجر غيره. إضافة إلى ذلك، يقول العروي، أن العنصر البشري في المغرب متجانس، وهذه سمة إيجابية. وهو ما دلت عليه كل البحوث الأنثروبولوجية التي جاءت مناقضة لما كانت تروج له الإدارة الفرنسية. لا يوجد فرق واضح بين السكان يشير إلى اختلاف في الأصول الإثنية. كما جاء في جوابه عن سؤال "هل هناك نفسانية مغربية؟ أن السمات الخاصة غير معروفة، لكنه يظن أن السمة التي تكون حولها إجماع لها علاقة باستمرارية سلطة المخزن التي هي وطنية محلية، مستقلة عن أي قوة أجنبية، وهذا ليس تمجيدا للمخزن بل ملاحظة أنثروبولوجية... وهذه السمة لها سلبيات أكبرها ضررا للمجتمع هو التهرب من تحمل المسؤولية وتحاشي الحسم في أي مسألة. لقد حان الوقت بتمتيع المغاربة بثقافة وطنية عقلانية خاصة تمكنهم من المشاركة في تنمية بلادهم وتجعلهم يتجاوزن حالة الفلكلور الذي لم يحافظ على أصالته ولم ينتعش أو يتجدد بل تجمد ومال إلى الابتذال ... فبين الفولكلور الممقوت والمؤلفات الفقهية المملة اختزلت الممارسة في النشاط السياسي إلى أن أصبح "الكل سياسة"... بخصوص سؤال علاقة الثقافة الوطنية باللغة الوطنية، أجاب العروي أن العلاقة غير حتمية، نظريا على الأقل. يمكن أن تنشأ ثقافة وطنية بوساطة لغة غير أصلية. الأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى، ماضيا وحاضرا.

المغاربة والوطن، في وقتنا الراهن، يستحقون تحقيق الإجماع في البحث عن السبل السياسية التي تعطي لمفهوم الوطنية الناشئة مدلولها في الشعور (الاعتزاز بالذات وبالأجداد)، والسلوك (الإيثار والتضحية)، والتطلع (طلب الحرية والتقدم والرفاهية)، وتجاوز كل ما له صلة بمنطق السياسات الرسمية بعد الاستقلال، سيما التعليمية، التي لم تزيدنا إلا تشتتا وانفصاما ... المجتمع المغربي، يقول صاحب كتاب "إصلاح وسنة"، كان يراه المحتلون الفرنسيون والإسبان، وحتى الزوار الأجانب من جنسيات أوروبية، أكثر انقساما، ونراه اليوم أكثر انسجاما مما هو عليه الأمر في الحقيقة. لقد تجاوز المغرب نسبيا الافتراق حسب الانتماءات القبلية وما كرسته من تمايز وتنابذ، ويميل بشكل واضح إلى واقع ينبثق منه الانسجام من خلال الانقسام على أسس طبقية المؤدي إلى تناوب النخب. في هذه النقطة بالذات، جاء في آخر كتاب "استبانة" أننا نشاهد اليوم تحولا يشبه ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي عندما خلفت وطنية الشبان وطنية الأعيان، مما ينبئ أن الاندماج المرتقب في هيئات أوسع، أو استبدال لهجة بأخرى، أو تأويل تاريخي بآخر، لن يمحي من العقول والنفوس ما أكسبه المخزن العتيد وأورثه للحركة التي جددت الوطن وحررته من تبعية الأجنبي.

وفي الأخير أختم بما قاله العروي في شأن ملوك المغرب:

الحسن الأول جسد السيادة المغربية وفرض على الدول الاعتراف بها. الأمر الذي قيد عمل فرنسا وإسبانيا وغيرهما أثناء عهد الحماية.

الحسن الثاني جسد السيادة المغربية بكيفية لم ترض جزء كبيرا من النخبة المثقفة.

محمد الخامس ومحمد السادس جسدا السيادة المغربية بموافقة الأغلبية الكبرى من المغاربة أميين ومثقفين.

 

الحسين بوخرطة

كلمات دالّة

#,

أضف تعليقاً

الاسم:
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق:
التعليق :

إعلانات